منتديات سيدى أبوخليل

منتديات سيدى أبوخليل


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


شاطر | 
 

 حقائق عن التصوف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
لواء طارق نوح

avatar

المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 30/06/2011
العمر : 57

مُساهمةموضوع: حقائق عن التصوف    الجمعة يوليو 01, 2011 12:55 pm

يساهم في تصحيح الأفكار عن التصوف , ورد الشبه عنه , وبيان أهميته وقيمته وحاجة الناس إليه.


فهرس المحتويات مع المقدمة

الباب الأول :
التعريف بالتصوف
ـ تعريفه. ـ اشتقاقه. ـ نشأته. ـ أهميته
الباب الثاني :
المنهج العملي في التصوف
ـ مقدمة. ـ الصحبة. ـ الوارث المحمدي. ـ أخذ العهد. ـ العلم. ـ مجاهدة النفس. ـ الذكر. ـ المذاكرة. ـ الخلوة
الباب الثالث :
طريق الوصول إلى الله
ـ التوبة. ـ المحاسبة. الخوف. ـ الرجاء. ـ الصدق. الإخلاص. ـ الصبر. ـ الورع. ـ الزهد. 0ـ الرضا. ـ التوكل. ـ الشكر
الباب الرابع:
من ثمرَات التصوف
ـ الحب الإِلهي. ـ الكشف. ـ الإِلهام. ـ كرامات الأولياء.
الباب الخامس :
تَصحيح الأفكار عن التصوف
ـ بين الحقيقة والشريعة ـ الدس على العلوم الإِسلامية أـ التفسير , ب ـ الحديث , جـ ـ التاريخ , د ـ التـصوف .ـ تأويل كلام السادة الصوفية ـ وحدة الوجود والحلول والاتحاد.ـ بين الصوفية وأدعياء التصوف .ـ أعداء التصوف .
الباب السادس :
شهادات علماء الأمة الإِسلامية من سلفها إِلى خلفها للتصوف ورجاله.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لواء طارق نوح

avatar

المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 30/06/2011
العمر : 57

مُساهمةموضوع: التعريف بالتصوف   الجمعة يوليو 01, 2011 1:04 pm

الباب الأول

التعريف بالتصوف

1ـ تعريفه. 2ـ اشتقاقه. 3ـ نشأته. 4ـ أهميته.


تعريف التصوف

قال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى:

(التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية)

قال سيد الطائفتين الإمام الجنيد رحمه الله:
(التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دنيوقال بعضهم:
(التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق زاد عليك بالتصوف

اشتقاق التصوف

كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف، فمنهم من قال: (من الصوفة، لأن الصوفي مع الله تعالى كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى
ومنهم من قال: (إنه من الصِّفَة، إذ جملته اتصافٌ بالمحاسن، وترك الأوصاف المذمومة)
ومنهم من قال: (من الصفاء)، حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقاً من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي

ومنهم من قال: (من الصُفَّة، لأن صاحبه تابعٌ لأهلها فيما أثبت الله لهم من الوصف) حيث قال تعالى: {واصبِرْ نفسَك مع الذين يدعونَ ربَّهم...} [الكهف: 28].

وأهلُ الصُفَّة هم الرعيل الأول من رجال التصوف، فقد كانت حياتهم التعبدية الخالصة المثل الأعلى الذي استهدفه رجال التصوف في العصور الإسلامية المتتابعة.

وقيل: (من الصَّفوة) كما قال الإمام القشيري.

وقيل: (من الصَّف) فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله تعالى ؛ وتسابقهم في سائر الطاعات.

ومنهم من قال: (إن التصوف نسبة إلى لبس الصوف الخشن، لأن الصوفية كانوا يؤثرون لبسه للتقشف والاخشيشان).

ومهما يكن من أمر، فإن التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ، واحتياج اشتقاق.

وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة، واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والفقه والمنطق.

نشأة علم التصوف
يقول الدكتور أحمد عَلْوَشْ: (قد يتساءل الكثيرون عن السبب في عدم انتشار الدعوة إلى التصوف في صدر الإسلام، وعدم ظهور هذه الدعوة إلا بعد عهد الصحابة والتابعين ؛ والجواب عن هذا: إنه لم تكن من حاجة إليها في العصر الأول، لأن أهل هذا العصر كانوا أهل تقوى وورع، وأرباب مجاهدة وإقبال على العبادة بطبيعتهم، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به في ذلك كله، فلم يكن ثمَّة ما يدعو إلى تلقينهم علماً يرشدهم إلى أمرٍ هُم قائمون به فعلاً، وإنما مثلهم في ذلك كله كمثل العربي القُحِّ، يعرف اللغة العربية بالتوارث كابراً عن كابر؛ حتى إنه ليقرض الشعر البليغ بالسليقة والفطرة، دون أن يعرف شيئاَ من قواعد اللغة والإعراب والنظم والقريض، فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم النحو ودروس البلاغة، ولكن علم النحو وقواعد اللغة والشعر تصبح لازمة وضرورية عند تفشي اللحن، وضعف التعبير، أو لمن يريد من الأجانب أن يتفهمها ويتعرف عليها، أو عندما يصبح هذا العلم ضرورة من ضرورات الاجتماع كبقية العلوم التي نشأت وتألفت على توالي العصور في أوقاتها المناسبة.

فالصحابة والتابعون ـ وإن لم يتسموا باسم المتصوفين ـ كانوا صوفيين فعلاً وإن لم يكونوا كذلك اسماً، وماذا يراد بالتصوف أكثر من أن يعيش المرء لربه لا لنفسه، ويتحلى بالزهد وملازمة العبودية، والإقبال على الله بالروح والقلب في جميع الأوقات، وسائر الكمالات التي وصل بها الصحابة والتابعون من حيث الرقي الروحي إلى أسمى الدرجات فهم لم يكتفوا بالإقرار في عقائد الإيمان، والقيام بفروض الإسلام، بل قرنوا الإقرار بالتذوق والوجدان، وزادوا على الفروض الإتيان بكل ما استحبه الرسول صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات، وابتعدوا عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، حتى استنارت بصائرهم، وتفجرت ينابيع الحكمة من قلوبهم، وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم. وكذلك كان شأن التابعين وتابعي التابعين، وهذه العصور الثلاثة كانت أزهى عصور الإسلام وخيرها على الإطلاق، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "خير القرون قرني هذا فالذي يليه والذي يليه" ["خير الناس قرني هذا ثم الذين يلونهم.

فلما تقادم العهد، ودخل في حظيرة الإسلام أُمم شتى، وأجناس عديدة، واتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ قام كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يُجيده أكثر من غيره، فنشأ ـ بعد تدوين النحو في الصدر الأول ـ علم الفقه، وعلم التوحيد، وعلوم الحديث، وأصول الدين، والتفسير، والمنطق، ومصطلح الحديث، وعلم الأصول، والفرائض "الميراث" وغيرها..

وحدث بعد هذه الفترة أن أخذ التأثير الروحي يتضاءل شيئاً فشيئاً، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الرياضة والزهد إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم، ولم يكن ذلك منهم احتجاجاً على انصراف الطوائف الأخرى إلى تدوين علومهم ـ كما يظن ذلك خطأً بعض المستشرقين ـ بل كان يجب أن يكون سداً للنقص، واستكمالاً لحاجات الدين في جميع نواحي النشاط، مما لا بد منه لحصول التعاون على تمهيد أسباب البر والتقوى"

أما تاريخ التصوف فيظهر في فتوى للإمام الحافظ السيد محمد صديق الغماري رحمه الله، فقد سئل عن أول من أسس التصوف ؟ وهل هو بوحي سماوي ؟
فأجاب: (أما أول من أسس الطريقة، فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما بيَّنها واحداً واحداً ديناً بقوله: "هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم" وهو الإسلام والإيمان والإحسان.

فالإسلام طاعة وعبادة، والإيمان نور وعقيدة، والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"...

ثم قال السيد محمد صديق الغماري في رسالته تلك: (فإنه كما في الحديث عبارة عن الأركان الثلاثة، فمن أخل بهذا المقام(الإحسان) الذي هو الطريقة، فدينه ناقص بلا شك لتركه ركناً من أركانه. فغاية ما تدعو إليه الطريقة وتشير إليه هو مقام الإحسان؛ بعد تصحيح الإسلام والإيمان)
قال ابن خلدون في مقدمته:

ويعنينا من عبارة ابن خلدون الفقرة الأخيرة، التي يقرر فيها أن ظهور التصوف والصوفية كان نتيجة جنوح الناس إلى مخالطة الدنيا وأهلها في القرن الثاني للهجرة، فإن ذلك من شأنه أن يتخذ المقبلون على العبادة اسماً يميزهم عن عامة الناس الذين ألهتهم الحياة الدنيا الفانية.

وأورد صاحب "كشف الظنون" في حديثه عن علم التصوف كلاماً للإمام القشيري قال فيه: (اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية عِلْمٍ سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم الصحابة، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ـ ممن لهم شدة عناية بأمر الدين ـ الزهاد والعُبَّاد، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة)
من هذه النصوص السابقة، يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً؛ ولكنه مأخوذ من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه الكرام، كما أنه ليس مستقى من أُصول لا تمت إلى الإسلام بصلة، ، فأطلقوا اسم التصوف على الرهبنة البوذية، والكهانة النصرانية، والشعوذة الهندية فقالوا: هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي.

أهمية التصوف
إن التكاليف الشرعية التي أُمر بها الإنسان في خاصة نفسه ترجع إلى قسمين: أحكام تتعلق بالأعمال الظاهرة، وأحكام تتعلق بالأعمال الباطنة، أو بعبارة أخرى: أحكام تتعلق ببدن الإنسان وجسمه، وأعمال تتعلق بقلبه.

فالأعمال الجسمية نوعان: أوامر ونواهٍ ؛ فالأوامر الإلهية هي: كالصلاة والزكاة والحج... وأما النواهي فهي: كالقتل والزنى والسرقة وشرب الخمر...

وأما الأعمال القلبية فهي أيضاً: أوامر ونواهٍ ؛ أما الأوامر: فكالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله... وكالإخلاص والرضا والصدق والخشوع والتوكل... وأما النواهي: فكالكفر والنفاق والكبر والعجب والرياء والغرور والحقد والحسد. وهذا القسم الثاني المتعلق بالقلب أهم من القسم الأول عند الشارع ـ وإن كان الكل مُهمَّاً ـ لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة، وفي ذلك قال تعالى:

{فمَنْ كان يرجو لقاءَ ربِّه فلْيعملْ عملاً صالحاً ولا يُشرِكْ بعبادة ربِّه أحداً}
[الكهف: 110].

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه اهتمام الصحابة لإصلاح قلوبهم، ويبين لهم أن صلاح الإنسان متوقف على إصلاح قلبه وشفائه من الأمراض الخفية والعلل الكامنة، وهو الذي يقول: "ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"
كما كان عليه الصلاة والسلام يعلمُهم أن محل نظر الله إلى عباده إنما هو القلب: "إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم فما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88ـ 89].

قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله: (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي: إنها فرض عين)
فتنقية القلب، وتهذيب النفس، من أهم الفرائض العينية وأوجب الأوامر الإلهية، بدليل ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال العلماء.

آ ـ فمن الكتاب:

1ـ قوله تعالى: {قُلْ إنَّما حرَّمَ ربِّيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بَطنَ}[الأعراف: 33].

2ـ وقوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطنَ}[الأنعام: 151].

والفواحش الباطنة كما قال المفسرون هي: الحقد والرياء والحسد والنفاق...

ب ـ ومن السنة:

1ـ كل الأحاديث التي وردت في النهي عن الحقد والكبر والرياء والحسد... وأيضاً الأحاديث الآمرة بالتحلي بالأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة فلتراجع في مواضعها.

ج ـ وأما أقوال العلماء:

يقول الفقيه الكبير العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه.

وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه)






عدل سابقا من قبل طارق نوح في الجمعة يوليو 01, 2011 1:14 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لواء طارق نوح

avatar

المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 30/06/2011
العمر : 57

مُساهمةموضوع: رد: حقائق عن التصوف    الجمعة يوليو 01, 2011 1:12 pm

فضيلة الأستاذ
العارف بالله
الشيخ
صَالِح أحْمد الشّافعي محمّد محمّد أبو خليل الكبيرْ

التصوف ( مَعْنَى ونَشْأَةً وحُكْمًا )
1- معنى التصوف

الواقع أن " التصوف" لفظة لها دلالة لغوية في المعاجم العربية ومفرداتها، لأن مادة هذه الكلمة – ص و ف – لها وجود فعلي في لغتنا العربية ، وذلك إن دل فإنما يدل على أن هذه الكلمة " عربية الأصل " وليست من الكلمات الوافدة على هذه اللغة.
مهما كانت موجودة في لغات أخرى أو أماكن واستخدامات متباينة ، لأن الاشتراك اللفظي لا يعني احتكارًا للفظة " ما " فإن الألفاظ قوالب لمعانٍ مختلفة ، فالمهم مراعاة المدلول والمضمون والمعنى ، وأن يكون وفق سمات خاصة وأنماط مستقلة . فكلمة " دين " مثلا لفظة مشتركة بين جميع الديانات ، فلا يجوز لنا أن نتركها لأنها تطلق على الدين اليهودي أو المسيحي أو خلاف ذلك، فالله تعالى يقول : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّين ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ... (13) } [الشورى ] ومعلوم ضرورة: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ ... (19) }[ آل عمران ] . { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامُ دِينا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ...(85)}[ آل عمران ] مع أن الديانات جميعها قد اشتركت في الأصول العقدية ، واختلفت في تشريعات الفروع التي تتناسب مع كل جيل وظروفه وطبيعة تفكيره.
ونظراً لاتفاق العلماء على ضرورة وجود علاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي فإن التعريفات الاصطلاحية للتصوف يجب أن تنشأ بينها تلك العلاقة الحميمة الواضحة ، أما إذا جاءت التعريفات الاصطلاحية بعيدة كل البعد عن المعاني اللغوية فهذا يعني التلفيق وعدم الموضوعية والتجني على العلم وأهله والتصوف ورجاله والإسلام وملته.

تجني المستشرقين ومن تبعهم من ادعياء الإسلام:

يحاول المستشرقون – وأعظمهم من اليهود- إرجاع كلمة " تصوف" وحياته الروحية في الإسلام إلى مصدر أجنبي بحت " هندي أو يوناني أو نصراني أو زرادشتي فارسي أو يهودي .. .إلخ".
وبعض المستشرقين يحاول أن يُخَدِّرَ الفكر ليضمن الصيد في الماء العكر فيظهرون بمظهر الاعتدال ، فيقولون : إن العامل الأول في وجود التصوف : إنما كان القرآن وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهما استمد التصوف بذوره الأولى ، ويقولون : ثم كانت الثقافة الأجنبية بعد ذلك من : هندية أو يونانية ، أو فارسية ، أو مسيحية – هي التي أثَّرت فيه وجعلته يتطور ، وهي التي أمدته بالآراء بما زعموا أنه بعيد عن روح الإسلام وطبيعته ، وكأنهم في حزن عميق لبعده عن روح الإسلام ، ولكنه السم المدسوس في العسل ، لكي يقضوا على التصوف الذي دَوَّخهم رجاله في حروب سابقة ، والذي يربي النفوس على الإيمان الحق ، ويفتح العقول على الاهتمام بالصالح العام وما فيه نفع المسلمين ، انطلاقا من حديث شريف يضعه الصوفية أمامهم :" من سعى في حاجة أخيه قضيت على يديه أم لم تقض كان كمن اعتكف في مسجدي هذا سنتين".
ولذلك فهم يشجعون أدعياء الدعوة ومحتكري الإسلام ادعاء لذواتهم والمتباكين على السلطة وعبدة الأغراض الخاصة والحقدة على ذوي الجاه والمال، لأنهم يعرفونهم سلفا أنهم عباد الدنيا والمصالح الذاتية المبرقعة بالمظهر الإسلامي ، والذين لا همَّ لهم إلا القيل والقال وتفسيق المسلمين ورميهم بالزندقة وخصوصا الصفوة من أهل القدوة الحسنة!!.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال :" سيكون في آخر الزمان قوم حُدَّاثُ الأسنان سفهاء الأحلام يقرأون القرآن لا يرتقي حناجرهم مفتونون مفتونة قلوبهم".

المعنى اللغوى للتصوف :
لقد تعددت الآراء لدى مؤرخي الفكر الإسلامي حول حقيقة المصدر الذي اشتقت منه كلمة "صوفية ، وتصوف".
أ‌- أخذ الشيء قهرا: من ذلك قول العرب : أخذته قهرا ،إذا (1) تبعته ولحقته فأخذت برقبته ، أو لم آخذ بها ولكن جذبته من صوفه ، أو شعره المتدلي في قفاه ، فالصوفي يمسك بدينه، حيث يمسك برقبة نفسه ، ويأخذها قهرا إلى الله ويلزمها ذلك حتى تُمرَّن ، وتصبح العبادة لها عادة محبوبة مألوفة (2) .
ب‌- العطاء بلا مقابل : ومنه قول العربي: أعطاه بصوف رقبته مجانا بلا ثمن.
جـ - الانقطاع للعبادة وخدمة بيت الله.
د – العدل عن الشيء الضار : ومن ذلك قولهم : صاف السهم عن الهدف: عدل عنه ، وأصاف الله عني شره : إذا أماله ، وصاف عن الشر إذا عدل عنه.
هـ - الكثافة والكثرة : من ذلك قولهم: صاف الكبش صوفا : كثر صوفه فهو أصوف وهي صوفاء.
إذًا فالتصوف على ذلك هو : قهر الرغبات ، والميل عن الشهوات ، والإخلاص لله في العقيدة والعبادة والمعاملات ، مع التزام الطاعة كافة الأوقات ، انقطاعا عن كل ما سواه ، مع الأخذ بإصلاح ما أمر الله (3) .
وبناء على ما تقدم فإنه لا يستطيع مؤلف أو باحث في تاريخ الصوفية أن يتمكن من الحصول على تعريف جامع مانع للتصوف منفصل عن أصل الاشتقاق ، فالمعنيان متداخلان.

الاستخدام التاريخي:
تطلع علينا المصادر بأن كلمة " صوفي " قد أطلق لقبا لأول مرة في التاريخ الإسلامي مع بدء القرن الثاني للهجرة على : " أبي هاشم الزاهد البغدادي" وعلى العالم الكيميائي الشهير " جابر بن حيان" الذي أعلن أنه تصوف على يد أستاذه الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ، وهو أستاذه الأول في التصوف وفي الكيمياء، حيث كان الإمام قد اتخذ في بيته " معملا " للكيمياء.


فقد اعترف الغرب بالتلميذ الذي خرج على العالم بأصول المادة التي طورت العالم كله حتى لقبوه بأبي الكيمياء ، ولم يعترفوا بشيخه الذي تعهده روحا وعلما ، وإنما لصقوا به فكرة التشيع، وجعلوه إماما لطائفة لم تره ولم يرها حتى يفرقوا أمة الإسلام!!.

معان أخرى في التصوف (1) :

1- أنه مأخوذ من الصفاء ، فقد قال الإمام سهل التستري ، الصوفي : من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله دون البشر ، واستوى عنده المال والمدر.

2- أنه مأخوذ من الصوفة، لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير له.

3- هو: أن يميتك الحق عنك ويحييك به أو هو : ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع ، أو هو : أن تكون مع الله بلا علاقة " للإمام الجنيد ".

4- التصوف : خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء " للكتاني".

5- التصوف : هو الدخول في كل خلق سنيِّ والخروج من كل خلــق دني " أبو محمد الحريري ".

6- التصوف : أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل مع قوم كرام " الإمام محمد بن علي القصاب".

7- التصوف : صفوة القرب بعد كدورة البعد." أبو علي الروزباري ".


8- الصوفي : منقطع عن الخلق متصل بالحق لقوله تعالى : { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)} [طه] أي قطعة عن كل غير ثم قال له : لن تراني " الإمام الشبلي"

9- صوفي : كلمة مركبة من أربعة أحرف ، صاد – واو – فاء – ياء ، كل حرف يحمل صفة. فالصاد : صبره ، وصدقه ، وصفاؤه .
والواو : وجده ووده ، ووفاؤه.
والفاء : فقده ، وفقره ، وفناؤه.
والياء النسبة فإذا اكتمل فيه ذلك فقد أضيف إلى حضرة مولاه " سيدي أبي العباس المرسي".

10- التصوف : مبني على ثلاث خصال : التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والإيثار ، وترك التعرض والاختيار أو هو : استرسال مع الله تعالى على ما يريد "الإمـــــــــام أبي محمد رُوَيْْم ".

11-الصوفية تدريب النفس على العبودية وردها إلى أحكام الربوبية " الإمام الشاذلي".

12-التصوف : مشتق من صوفة القفي للينها فالصوفي هين لين مثلها ، أو أنه من الصفة : إذ إن جملة التصوف هي : الاتصاف بالمحامد وترك الأوصاف المذمومة.

13-التصوف : علم منقول من صُفَّة المسجد النبوي الذي كان منزلا لأهل الصُّفة.

نموذج سام لمتصوفي صدر الإسلام:

إن الصوفي الآن تابع لنماذج فريدة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل الصفة الذين أثبت الله تعالى فضلهم في القرآن الكريم ، وأمره صلى الله عليه وسلم أن يكون معهم دائما بجسده وروحه ، لأنهم حملة مشاعل الإسلام والذين فرغهم الله تعالى من علائق الدنيا لدينه ، فآثروا الباقية على الفانية ، واختاروا أن يكونوا في كنف الله سبحانه بدل حظوظ الدنيا الفانية، فهم ممن خلقهم الله لإسعاد غيرهم ، وللدعوة إلى دين ربهم على بصيرة الإيمان . وتلك مقتضيات ظروف خاصة لخواص هذه الأمة، وليست دعوة عامة لجميع المسلمين.
ففي القرآن الكريم من سيكونون مع السابقين السابقين ومن سيكون من أهل اليمين ومن سيكون من أهل الشمال. ومن الأمة من سيدخل الجنة بغير حساب، ومنهم من سيرافق الرسول صلى الله عليه وسلم في جنة الفردوس ، ومن الصحابة من اهتز لموته عرش الرحمن ومنهم ومنهم ...إلخ.
وليس من المستبعد من يوجد الآن من أهل الولاية الخاصة ومن لا تفارق عينه مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليطِِّبب قلوب الأمة بنوره صلى الله عليه وسلم في عصر الظلمات المادية وأن يكون من ذوي الدرجات العليا عند الله.

ظهور هذا الاسم في صدر الإسلام:

لقد ذكر النجيبي أنه سُمِعَ في صدر الإسلام عن السلف " اسم الصوفي " ،فقد قال الإمام الحسن البصري رضي الله عنه :" لقيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يقبله وقال:{ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ... (96) } [ النحل ].
والإمام الحسن البصري هذا من كبار التابعين فقد أدرك كثيرا من الصحابة فهو حجة على استعمال هذا الاسم في زمانه ، والله أعلم.
ومن النماذج الرائعة للصوفية: أهل الصفة الذين أثنى الله عليهم من فوق سبع سموات حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الحمد لله الذي جعل من أمتي من قال الله فيهم :{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...(28)} [ الكهف].
ألا وإن هذه الصُّفَّة قد بناها الرسول صلى الله عليه وسلم لفقراء أصحابه، فنزلوا فيها يصلون بالليل ويصومون بالنهار ، ويجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " بهذا سُمُوا الصوفية" وحينما كانوا يجتمعون في هذه الصُّفَّة كان عددهم يصل إلى أربعمائة إذا كثروا، فإذا قَلُّوا كانوا ثمانين أو سبعين رجلا، وكانوا يعرفون بِضُيَّافِ الله وبِضُيَّاف الإسلام – ومما لا شك فيه أن أهل الصفة رضي الله عنهم كان لهم في مكة أموال وعبيد وإماء وديار وعقار وأهل وعيال ، فلما هاجروا إلى الله ورسوله خرجوا عن ذلك كله وتركوه لله تعالى ، فانتقلوا إلى المدينة ليس معهم شيء ، فبنى لهم عليه الصلاة والسلام تلك الصُّفَّة.
روى البيهقي في المنذري ، والترمذي في كتاب الزهد : أن مصعب بن عمير رضي الله عنه الذي كان من مشاهير أهل الصفة ومن كبار الصحابة كان يلبس إهاب كبش ( أي جلده ) ، فلما رآه عليه الصلاة والسلام على ذلك بكى وقال: " انظروا إلى هذا الذي نَوَّرّ الله قلبه فقد رأيته بمكة بَيْنَ أبويه يختال في حُلة له قد اشتراها أو اشتريت له بمائتي درهم فمازال به حب الله ورسوله حتى صيراه إلى ما ترون".
فهذه كانت أحوال أهل الصفة خيار هذه الأمة الذين تركوا الدنيا لأهلها، وانقطعوا إلى الله بالكلية حينما احتاج الإسلام إليهم، فلبوا نداءه تاركين الدنيا خلف ظهورهم ، ولم يكن موقفهم هذا بدعا وإنما فقهوه من مقتضيات الشرع الشريف، لأنهم سمعوا كلام ربهم وأحاديث نبيهم سماع وعي وتطبيق في ذم التكالب على الدنيا.
وهذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدخل على الرسول صلى الله عليه وسلم فيراه نائما على حصير قد أثَّرتْ أعواده في جنبه الشريف ، فبكى عمر رضي الله عنه لما رأى ، وقال: يا رسول الله كسرى وقيصر يفترشون الطنافس والحرير وأنت يؤثر في جنبك الحصير فلو دعوت الله أن يوسع عليك لأجابك!! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :" يا عمر هؤلاء قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ، ونحن ادخرنا ما لنا عند الله تعالى" رواه البخاري في صحيحه.

2- نشأة التصوف ومنزلته:

الواقع أن معالم الطريق الصوفي في أصلها ناشئة من الإسلام وتعاليمه ، فلا داعي لإنكار ذلك، لأنه يعد إنكارًا للقرآن الكريم والسنة الثابتة ولأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة.
فلقد اتفق الباحثون على أن التصوف قد نشأ أساسا عن ذلك الزهد والورع والتوكل على الله والثقة فيه سبحانه والخوف منه تعالى ، والرجاء الدائم في رحمته ورضوانه والإيثار والبذل والسخاء من الصدر واليد وغيرها من مقامات التصوف التي اتصف بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والعدد الأكبر من الصحابة والتابعين ، وكانت تلك الأحوال طبيعية الحدوث بفعل

النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التى تجتذب المؤمن إلى ساحات العمل للآخرة راجيا رضاء الله وغفرانه .
فقد قال الله سبحانه : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20)} [ الشورى ].
وفي معرض التزود للآخرة والسعي إلى مغفرة الله ورضوانه وعدم تعلق القلب بدار الفناء ومحاولة صرف النفس عن اللهو بالمظاهر الكاذبة والمفاخرة بالعرض الفاني : نزل قول الله سبحانه: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاُثرٌ فِي الأََمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [ الحديد ].
وإذا استعرضنا آيات هذا الباب لألفيناها كثيرة جدا يضيق المقام بحصرها ، ففي مقام التوكل نكتفي بقوله سبحانه : {... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ...(3) } [ الطلاق ] . وقوله سبحانه:{ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ...(159)} [ آل عمران].
وفي مقام الخوف والرجاء نكتفي بقوله جل شأنه : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ(16)}[ السجدة].
وقوله جل شأنه : { ولاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوفًا وَطَمَعًا ...(56) } [ الأعراف].
وفي مقام العبادة والتهجد يقول الله سبحانه :{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لّكَ َعَسَى أَن َيَْبَعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا (79) } [ الإسراء ] ، وقوله :{ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجّّدًا وَقِيَامًا (64)} [الفرقان]، وقوله تعالى : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) } [ الإنسان ].
وفي الذكر يقول الله جل شأنه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيَلاً (42) } [ الأحزاب ].
وفي موضوع الحب لله تعالى ورسوله وتقديمه على ما سواه وهو أساس التصوف يقول الله سبحانه : { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [ التوبة ].
فهذه ملامح صوفية وهي قُلٌّ من كُثْر ورد في القرآن الكريم.
وإذا أردنا ملامح من السنة فعلينا الرجوع إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة حيث تجسدت فيها أسمى أنواع الزهد والتواضع ، فقد اقترن كل منهما بعبادة تصل إلى حد القيام في الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان ، وحينما يسأل عن سبب ذلك مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فإنه صلى الله عليه وسلم يجيب بمقام من مقامات التصوف فيقول : " أفلا أكون عبدا شكورا " فالشكر كما هو معلوم من أبرز مقامات الصوفية.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في مقام الزهد :" ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس " رواه ابن ماجه.وفي حديث متفق عليه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين ليأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفوا فتعرضوا له ، فتبسم حين رآهم ثم قال : " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين ؟" فقالوا : أجل يا رسول الله . فقال :" أبشروا وأمِّلوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ". رواه البخاري.
فإذا ما أصر بعض الباحثين على أن اسم التصوف لم يظهر في دائرة التنظير والاستخدام التقعيدي قبل النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة ، فإنا نقول لهؤلاء : إن ذلك لا يعني أنه إضافة غير إسلامية وأن منشأه غير إسلامي ، بل إن الإنصاف أن يصنف على أنه ثمرة ذلك الزهد والأحوال والمقامات التي انتشرت بفضل الروح الإسلامية التي تم عرض بعضها بإيجاز موجز يَنُمُّ عن بعض معالمها من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ، وذلك يسلمنا إلى بدهية ماثلة مفادها:
" أن التصوف قد نشأ من داخل الإسلام نفسه منهجا ومفاهيم وحقائق يوجد لها نصوص محكمة غير قابلة للتأويل في القرآن والسنة وأحوال السلف الصالح".
فالتصوف مستمد من الكتاب والسنة وإلهامات الصالحين وفتوحات العارفين.
ولقد اعتصم أهله بالكتاب والسنة ودعوا الناس إلى الاستمساك بهما . وأكبر دليل على ذلك أقوال أئمة التصوف، فقد قال شيخ التصوف الأكبر سيدي محيي الدين بن العربي الذي يقول:"لقد أجمع رجال التصوف جميعا على أنه لا تحليل ولا تحريم بعد شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإنما فهم يعطى في القرآن لرجال الله ".
ويقول العارف بالله تعالى أبو حمزة البغدادي الذي كان يتردد على مجلسه الإمام الشافعي والإمام أحمد رضي الله عنهما فيقول :" من علم طريق الحق تعالى سَهُل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله.
وقال شاه الكرماني :" من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعَمَّر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وعَوَّدَ نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة".
وقال إمام التصوف أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه :
" الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم".
وقال أبو يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه :
" لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تجدوه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة".
من كل ذلك يتضح لنا : أن الصوفية هم أهل الاعتصام بالكتاب والسنة ، وقد دَعُوا الناس منذ أمد بعيد إلى الاستمساك بهما ، فما كان لهم أن يبتدعوا ولا أن يزيغوا وهم من يطبقون الكتاب والسنة قلبا وقالبا ، نصا وروحا.

موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من الصوفية:

من المعلوم أن رموز الصوفية وشيوخهم الأكابر من العترة المحمدية غالبا، فهذا لا يختلف عليه اثنان ، ولذا فقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم على ضرورة متابعتهم والاقتداء بهم ، حيث إنهم الذين يحلون حلال القرآن ويحرمون حرامه ، اقتداء بجدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم . فإذا كانت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حينما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت: " كان خلقه القرآن " أي أن كل سلوكياته صلى الله عليه وسلم كانت قرآنية فكأنه قرآن يتحرك بين الناس.
وعلى هذا درج آل البيت المطهرون والعترة الميامين فقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نقتدي بهم لأن أخلاقهم قرآنية كأخلاق جدهم عليه الصلاة والسلام ، ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض" وزاد الإمام أحمد والنسائي والترمذي :" فانظروا كيف تخلفوني فيهما ."

رفض ادعاء أن مؤثرات أجنبية حولت التصوف عن مساره الصحيح:

إنه من الضروري أن نفرق بين المتصوف والصوفي والتصوف.
فالمتصوف: من اتخذ الطريق الصوفي منهجا له وصولا إلى مقام الإحسان ولو لم يصل إليه.
والصوفي : من وصل إلى مقام الإحسان بالفعل ، فأصبح من العارفين بالله . فليس التصوف ثقافة كسبية تتأثر بهذا الاتجاه أو ذاك .
وإنما التصوف ذوق ومشاهدة ، إنه أنوار تغشى القلب وتهيم بها الروح ويتراقص لها طربا وجان الصوفي مترنحا.
ولا يصل السالك طريق الله تعالى إلى تلك الحالة إلا بالرياضة والخلوة والمجاهدة والاشتياق بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى ... فهذا هو جوهر الشعور الصوفي. وهو أخص خصائص التصوف.
إن التصوف شعور وجداني لا يمكن التعبير عنه، فإن الإنسان يصل فيه " إلى درجات يضيق عنها نطاق الكتابة، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها ، إلى اشتمل لفظه على خطأ صريح، لا يمكنه الاحتراز عنه(1).
فالسالك الذي لابسته تلك الحالة – على حد تعبير الإمام الغزالي – لا ينبغي أن يزيد على أن يقول : وكان ما كان مما لست أذكره ...فظن خيرا ولا تسأل عن الخير.
إن السلوك الصوفي ينبع من مؤثراته الداخلية البحتة ، وذلك يعتمد أساسا على الاستعداد الشخصي الفردي الفطري ، فيكفي المسلم الذي يريد أن يسلك هذا الطريق عمليا : كلمة ، أو فكرة ، أو كرامة أو إشارة ، أو حادثة من الأحداث التي قد تغير مسيرة الإنسان ، وتحوله إلى ربه ، فيأخذ فعلا في سيره إلى الله تعالى وشفاؤه النفسي { .. إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)}[ الصافات]



واقعة التجني على التصوف الإسلامي

لقد اتضح لنا مما سبق أن التصوف: مذاق وشعور وجداني داخلي فلا يمكن التعبير عنه وبخاصة ممن لم يسلك طريقه ، وقد قال رجاله:" من ذاق عرف ومن لم يذق لم يعرف".
ولذا فإن كثيرا من مؤرخي الفكر الإسلامي ورواد الفلسفة الإسلامية قد وقعوا في خطأ فادح حينما حكموا على التصوف بأنه حركة فكرية هي إلى الفلسفة أقرب ، فجعلوه نهبا لتغير الأحوال السياسية والاجتماعية والفكرية واعتبروه كرياضة " اليوجا" مثلا أو قضية هروب من واقع أليم إلى الخيال المجنح أو إلى أسهل الحلول بالسلبية عن حركة المجتمع وتموجاته.
فها هو أحد المفكريين الإسلاميين "د. عمر فروخ" في كتاب الفكر العربي يقول:" الصوفية حركة بدأت زهدا وورعا ثم تطورت فأصبحت نظاما شديدا في العبادة، ثم استقرت اتجاها نفسيا وعقليا بعيدا عن مجراها الأول، وعن الإسلام في كثير من أوجهها المتطرفة".
إن هذا الكلام يناقض واقع التصوف الثابت الذي لا ينبثق إلا من مصدرين أساسيين ثابتين ما بقيت الدنيا :" كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فإذا كان التصوف من أهم مقامات الدين وهو " طلب مقام الإحسان"، فإن معنى تغيره وتطرفه: تغير وتطرف الإسلام . فماذا يبقى من الإسلام إذا ضاع روحه وجوهره؟.
إنها دعوة من المستشرقين الحاقدين على الإسلام ورجاله لضربه في الصميم ، ونحن نردد ما يقولونه فقط دون روية أو غيرة على ديننا !!

جناية المستشرقين على التصوف:

إن المستشرق " لويس ماسينيون " يقول في صراحة :" أما دراسة مصادر التصوف ، فإن الشقة بيننا وبين استكمالها مازالت بعيدة" (1).
لأن المستشرقين، ومن نهج نهجهم يحاولون جاهدين أن يعزوا التصوف إلى مصدر معين ، أو إلى مصادر مختلفة يشترك فيها المصدر الإسلامي ، أو لا يشترك!!.
وخلاصة القول عندهم : أن التصوف على رأي بعضهم " مذهب دخيل في الإسلام مأخوذ إما من رهبانية الشام ، وإما من أفلاطونية اليونان الجديدة ، وإما من زرادشتية الفرس ، وإما من فيدا الهنود ".
ومن العجب أن نرى المستشرقين يناقش بعضهم بعضا في هذه القضية التي ليست لهم أصلا، وقد يهدم بعضهم بعضا ، وقد يغير الشخص الواحد منهم رأيه كما حدث للمستشرق :"ثولك" والمستشرق " نيكلسون" وكأنها مناورات ، لنأخذ برأي من يخف ضغطه علينا في القضية ولو كانت تجافي الواقع، إعمالا لنظرية "ارتكاب أخف الضررين " وكأن هذا قدرنا الذي لا محيص عنه ، وذلك ما وقع فيه مؤرخو الفكر الإسلامي من بني جلدتنا ، فلقد اعتبر كثير من مفكرينا أن المستشرق " نيكلسون" مثلا يمثل الجانب المنصف في قضايانا الفكرية ولاسيما التصوف.
فـ " نيكلسون " حينما يتحدث عن التصوف فإنه يرجع نشأته إلى عوامل خارجة عن الإسلام عملت عملها ابتداء من القرن الثالث الهجري.
وأهم هذه العوامل الخارجة في نظره هو : الأفلاطونية الجديدة والتي كانت شائعة آنذاك في : مصر ، والشام.
فلننظر إلى " نيكلسون " في تلك الفترة وهو يقول :" ولكني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة التصوف بمعناه الدقيق ، استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي ، أو فارسي ، ولزم أن نعتبره وليدًا لاتحاد الفكر اليوناني ، والديانات الشرقية ، أو بعبارة أدق ، وليدًا لاتجاه الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، والديانة المسيحية والمذهب الغنوصي".
ثم يتحول " نيكلسون " عن فكرته تلك ويأتي " لويس ماسينيون " ليشرح فكرته الجديدة فيقول :"وقد بين نيكلسون أن إطلاق الحكم بأن التصوف دخيل في الإسلام غير مقبول ، فالحق أننا نلاحظ منذ ظهور الإسلام أن الأفكار التي اختص بها متصوفة المسلمين ، نشأت في قلب الجماعة الإسلامية نفسها ، أثناء عكوف المسلمين على تلاوة القرآن والحديث وتَقرّئُهما ، ثم يقول – وهذا مكمن الخطر – وتأثرت بما أصاب هذه الجماعة من أحداث ، وما حل بالأفراد من نوازل".
وبذلك فإن " ماسينيون " لا يرجع التصوف إلى مصدر واحد ، وإنما إلى ثلاثة مصادر:

المصدر الأول: القرآن وهو أهم المصادر التي استمد منها التصوف نشأته وحياته.
والمصدر الثاني:الحديث، والفقه، وغيرهما من العلوم العربية الإسلامية.
والمصدر الثالث والأخير : الثقافة العلمية الأجنبية العامة ، وهذا مكمن الخطر.
فما أغنانا عن تلك الاختلافات الكثيرة التي استفاض فيها الكاتبون والتي لا تزال مستمرة لا تنتهي ولا يريد أهلها أن تنتهي ، والعجب أن تلامذتهم من العرب يتعصبون لها حتى الآن.

أس الخطأ في ذلك الطرح الفكري:

إن عرض قضية التصوف بهذا الوضع خطأ من أساسه ، فقد ترتب على ذلك تكفير البعض لبعض علماء الإسلام المبرزين علما وذوقا وأسوة ودعوة وصفاء ونقاء من أمثال الأستاذ الأكبر محيي الدين بن عربي والشيخ منصور بن حسين الحلاج هم ومَنْ على شاكلتهم من أهل الزهادة والورع والصلاح والتقوى، حيث قد اتهموهم بأنهم قد أخذوا أفكارهم الصوفية من الفلسفة اليونانية ورموهم بالحلول والوحدة والاتحاد التي كانت موجودة لدى فلاسفة الإغريق ، وهم من ذلك برآء ، لأن العارف لا يريد أن يكشف سر الصلة التي بينه وبين الله ، فغالبا ما يميل أمثال هؤلاء من أهل الاستغراق مع الله تعالى بالرمزية والكنائية سترا على حالهم مع الله فكانت فرصة المستشرقين المشتغلين بفكر الشرق وآدابه أن يفسروا تلك الرموز بظاهر ما تدل عليه ويربطوها بالفلسفة الإغريقية ، ويتهموهم بالكفر والارتداد فيتبعهم تلامذتهم الأوفياء لهم من المستغربين ممن ينتمون إلى هذا الدين دونما قراءة للرأي والرأي الآخر، ودون أن يشربوا شيئا من مذاقهم ليكون حكمهم منصفا ، فإن الحكم على الشيء فرع عَن تصوره.
وبذلك أسئ الظن بتلك القمم الإسلامية الشامخة ، مما جعل بعض المتصوفين ينكر عليهم موقفهم ويعلن أنه من مدرسة المعتدلين كإمام التصوف الأستاذ الجنيد.
وأما الإمام الغزالي فقد شرح وجهة نظر ابن عربي في قضية الفناء والبقاء. وأن ذلك ليس من الحلول والاتحاد في شيء ، لأن العارف قد يعتريه حال الفناء فيفنى عن نفسه ، ولا يرى لنفسه وجودا مع وجود الله ، لأن وجود الإنسان فيض من وجود الله فكل ما لدى الإنسان فهو من الله ولكن وجود الله وجود أزلي ودائم لا نهاية لوجوده ، وشعارهم في ذلك قول القائل:
والكل إن حققته عدم *** بعد الإله على التفصيل والإجمال
فالعارف المستغرق في فكرة صلة العبودية بالربوبية : يفنى تماما عن نفسه ويبقى بربه إذا نظر إلى أن كل شيء موجود فهو من الله وأنه إلى فناء في ساعة من ليل أو نهار.
ولكن واهب الوجود لا نهاية لوجوده ، فالعبد يبقى بربه ويفنى تماما عن نفسه ، إذاً فالمعايشة الدائمة تجعله يستغرق في ذلك ، ويرمز إلى مواجيده وأحواله ولا يصرح بها مثل ما رووه عن الحلاج رحمه الله حينما وقف بين الناس وقال: معبودكم تحت قدمي :يقصد المادة التي هي من التراب أصلا ، أو أن كنزا من الذهب كان في باطن الأرض التي يقف عليها ، وحينما رمز إلى حالة استغراقه مع الله تعالى ، فقال :" ما في الجبة إلى الله "إنه لا يقصد حلولا ولا اتحادا وإنما يقصد قضية " الخلق والأمر" وأنها من الله سبحانه فقط : { ... أَلا لَهُ الْخَلْقْ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)} [ الأعراف ] لأن الله تعالى قد أوجده وخلقه بـ " كن " فكان . قال الله تعالى : {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) فَسبُحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) } [ يس ] ولكن أعداءه الحاقدين عليه أوغروا عليه صدر السلطان وأخذوا بظاهر اللفظ فحكموا عليه بالردة حتى أمر السلطان بقتله . وكانت بعد ذلك فرصة المستشرقين الذين درسوا حياة هؤلاء وسيرهم الذاتية ، فبنوا من الحبة قبة وأقروا الحكم بارتداده وكأنهم يهمهم شأن الإسلام ويغارون على الفكر الإسلامي ، ويخشون على عقيدته من الانهيار، فضربوا بمعولهم في صميم العقيدة، وصار المسلمون يكفر بعضهم بعضا ، دون تفكير ولا روية ولا بحث ولا استقصاء. وإنما فقط بالترديد الببغائي !! وتحت مسمى الفكر الإسلامي !!، وخلاصة القول في ذلك: أن الكاتبين عن الإسلام والذين تناولوا الكتابة عن التصوف قد وقفوا موقفهم من الثقافة الكسبية ، ومعروف أن الثقافة المكتسبة يتأتى فيها التأثر، والتطور ، والتقليد.
فالكاتب ، أو الشاعر ، أو المفكر على وجه العموم ، الذي يستمد ثقافته من البيئة الخارجية إنه يتلون ويتشكل بكل ما يقرأ ، وبما يدور حوله من أحداث ، وبما يتشربه من بيئته ، ونتاجه ، إذاً ما هو إلا أثر لما يدخل حياته من البيئة الخارجية.
فالتصوف الإسلامي إذًا ليس ثقافة كسبية ، وبذلك لا ينبغي التحدث عن مصادرها الخارجية – أيا كانت هذه المصادر.
ومن الخطأ الجسيم وضع مسألة : نشأة التصوف ومصادره موضع البحث والنظر والدراسة ، فذلك لا يفعله إلا من لا يفهم التصوف ، ولم يسهم في تذوقه بقليل ولا بكثير .
والناتج لكل ذلك : أن الاتجاه إلى التصوف ،والنزوع إليه إنما هو " فطرة واستعداد " تنبثق من فطرة الإسلام التي فطر الله الناس عليها . فهو فطرة تريد أن تكتمل بها وأن تتوج الفطرة الأساسية.
أما الذوق الصوفي ، والشعور الصوفي والمعرفة الصوفية ، فإنها استمداد من مصدر النور والهداية (1).
التعليق: ما سبق من الكلام عن تخطئة وضع مسألة " التصوف "موضع البحث والنظر والدراسة أمر في غاية الأهمية وعلى الباحثين المنصفين لدينهم أو للبحث العلمي المجرد مراعاة ذلك.
ولكن هذا الكلام قد يكون أقرب إلى الاتجاه النظري عنه في المنحى التطبيقي ، ونحن نعالج قضية عملية تطبيقية قد أعلنا عنها بـ " المذاقية الوجدانية " فما السبيل إلى هذا المذاق ؟.
للإجابة عن هذا السؤال الهام الذي تستغرق إجابته كل الموضوع برمته الذي يرنو إليه البحث نقول:
إن موضوع التصوف كتطبيق عملي وسلوك إسلامي قد وجد منذ بدء الرسالة الإسلامية ، فالرسول صلى الله عليه وسلم – مثلا – حينما كان يَحْزُبُهُ أمر يقول " أرحنا بها يا بلال ".
ويقول :" جعلت قرة عيني في الصلاة " فهو صلى الله عليه وسلم يتوجه بكليته إلى الله تعالى خاشعا لله سبحانه أتم الخشوع وخاضعا لجنابه الأقدس أكمل الخضوع.
وقد اقتدى أصحابه به في ذلك تماما ، فها هو أبو بكر رضي الله عنه الذي كان يقرأ القرآن في صلاته فيبكي بكاء شديدا ويجهش في البكاء تعظيما وإجلالا لله سبحانه .
وهو مَنْ كشف الله بصيرته فألهمه بأن زوجته قد حملت أنثى فرجع في وصيته للسيدة عائشة في البستان الذي كان قد أوصى لها به فقال لها : إنما هما أخواك وأختاك فقالت : إن لي أختا واحدة ، فقال لها : ذات بطن بنت خارجة – يريد زوجته – حملت وأراها بنتا ، فكان الأمر كما قال – وكذلك الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال : يا ساريةُ الجبلَ ، فسمعه سارية قائد الجيش وهو في بلاد الشام والخليفة بالمدينة يخطب على المنبر.
وكذلك ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه حينما قال لمن حوله : يدخل عليَّ أحدكم وآثار الزنا بادية على عينيه – وكان رجل من الجالسين قد نظر إلى امرأة شزرا وهو في الطريق فأتى وجلس معه .فقال الرجل للخليفة: أوحْيٌ منزلُ" بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لا ، وإنما هي فراسة وبصيرة ونور إيمان " وأما الإمام علي فحدِّثْ ولا حرج عن علمه وأسراره التي مُنحها من ربه ، فقد كان يفسر القرآن بالقرآن .
ولقد انتشرت الكرامات لدى الصحابة بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى لأن نور المعجزة كان يتغلب على نور الكرامة ، ولأن الكواكب في السماء لا ترى مع وجود القمر. فهذا عباد بن بشر رضي الله عنه حينما كان يحرس الصحابة بالليل بعد رجوعهم من غزوة ذات الرقاع فحن حنينه إلى الوقوف بين يدي مولاه ، وإلى أن يناجيه بقرآنه في صلاة الليل ، وبينما هو قائم يقرأ سورة من القرآن بقلب الصحابي الصافي النقي إذا بسهم مسموم قد أطلقه عليه مشرك فاخترم عضده ، فنزعه بيده واستمر في صلاته ..! فرماه بسهم ثالث فنزعه وحينما أنهى تلاوته ركع ثم سجد ، وكانت قواه قد بددها الإعياء والألم ، فمد يمينه وهو ساجد إلى صاحبه النائم بجواره ، وظل يهزه حتى استيقظ . ثم قام من سجوده وتلا التشهد ، وأتم صلاته. وصحا صاحبه " عمار" على كلماته المتهدجة المتعبة تقول له :" قم للحراسة مكاني ، فقد أُصِبْتُ ".
فوثب " عمار " محدثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين ، ففروا ثم التفت إلى عباد ، وقال له: "سبحان الله !! هلا أيقظتني أول ما رُميت "؟
فأجابه عباد :" كنت أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأت نفسي روعة وقلبي نورا . فلم أشأ أن أقطعها . ووالله لولا مخافة أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ، لآثرت الموت على أن أقطع تلك الآيات التي كنت أتلوها ".
فنرى من ذلك أن عبادا كان شديد الحب لله ولرسوله ولدينه ولقرآنه مما ملك حسه كله ، وهذا ما سمي فيما بعد بالتصوف ، أي تناول العبادة بصفاء قلب ويقين بالله.

حتمية القدوة:

رأينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قدوة حسنة وأسوة عملية ناجحة لأصحابه فتأثروا به روحا ونصا ، فَخَرَّج جيلا صالحا صدقوا ما عاهدوا الله عليه حتى أعلى شأنهم ونصرهم على أعدائهم وأعزهم بدينه وأعز بهم الإسلام وأيدهم بروح من عنده . فعاشوا في نور الإسلام هداة مهتدين . يصدق فيهم قول الله تعالى :{ فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ...(125)} [الأنعام] قال الصحابة : ما الشرح يا رسول الله ؟
قال:" نور يقذفه الله في القلب".
ولما تمكن هذا النور في قلوبهم أجازهم الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يكونوا قدوة لغيرهم ، فقال صلى الله عليه وسلم :" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
ثم أشار إلى القدوة لمن بعد الصحابة إلى أن تقوم الساعة من آل البيت المطهرين والعترة المحمدية كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل وهم من سماهم الناس بعد ذلك بالصوفية من مشايخ الأمة الأجلاء حملة المشاعل الإسلامية إلى أن تقوم الساعة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالله
Admin
avatar

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 06/05/2011

مُساهمةموضوع: ألف مدد يا عم   الإثنين يوليو 04, 2011 10:13 am

إيه الفيض والجمال ده كله
تسلم والله يا أخ طارق
جعله الله فى ميزان حسناتك وذادك حبا وقربا وقربا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://maddyaam.own0.com
 
حقائق عن التصوف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات سيدى أبوخليل :: كتب :: كتب صوفية-
انتقل الى: